إن التعبد باسمه "الجميل" يقتضي محبته والتأله له، وأن يبذل العبد له خالص المحبة وصفو الوداد، بحيث يسيح القلب في رياض معرفته، وميادين جماله، ويبتهج بما يحصل له من آثار جماله وكماله، فإن الله ذو الجلال والإكرام.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال ﷺ «إن الله "جميل" يحب الجمال»
الله "جميل" سبحانه جميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فلا يمكن مخلوقاً أن يعبر عن بعض جمال ذاته، حتى إن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم واللذات والسرور والأفراح التي لا يقدر قدرها إذا رأوا ربهم وتمتعوا بجماله نسوا ما هم فيه من النعيم وتلاشى ما فيه من الأفراح، وودّوا أن لو تدوم هذه الحال، واكتسبوا من جماله ونوره جمالاً إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم ونزوع إلى رؤية ربهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحاً تكاد تطير له القلوب وكذلك هو الجميل في أسمائه، فإنها كلها حسنى بل أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾[الأعراف:١٨٠] وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾[مريم:٦٥] فكلها دالة على غاية الحمد والمجد والكمال، لا يسمى باسم منقسم إلى كمال وغيره .
إثبات ما يتضمنه اسم الله "الجميل" من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له:
الله جميل يحب الجمال، وتفرد سبحانه بالجمال الكامل، ووهب بعض الجمال لبعض خلقه وسلبهم الجلال، وأعطى الجلال لبعض خلقه وسلبهم الجمال، وأعطى سبحانه الجمال مع الجلال لبعض خلقه، لكنه سبحانه سلبهم دوام الحال، وتفرد الرب الجميل سبحانه بالجمال والجلال مع دوام الحال. يقول ابن القيم: ((من أعز أنواع المعرفة: معرفة الرب سبحانه بالجمال، وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته.
وأتمهم معرفة: من عرفه بكماله وجلاله وجماله سبحانه، ليس كمثله شيء في سائر صفاته، ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة، ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه؛ لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس، ويكفي في جماله قوله ﷺ «لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
ويكفي أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته، فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال.
ويكفي في جماله سبحانه: أن له العزة والقوة، والجود والإحسان، والعلم والفضل، ونور وجهه أشرقت له الظلمات، كما قال النبي ﷺ في دعائه: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة».
وقال عبد الله بن مسعود: ((إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه((، فهو سبحانه نور السموات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنوره، [الفوائد ص ١٨٢].
فلا يستطيع بشر النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار، فإذا رأوه سبحانه في جنات عدن أنستهم رؤيته ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون –حينئذ -إلى شيء غيره [روضة المحبين، لابن القيم ص ٤٢١]
أعظم النعيم رؤية "الجميل" في الجنة
اشتاقت قلوب العابدين والمحبين لرؤية وجه الله "الجميل" يوم القيامة، يقول الله تعالى:﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى و َزِيَادَة ﴾[يونس: ٢٦]
يقول السعدي عند هذه الآية: أي: :﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾أي: في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان، فهؤلاء الذين أحسنوا، لهم الحسنى، وهي الجنة الكاملة في حسنها، وزيادة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون. [تفسير السعدي ص: ٣٦٢]
ولذا كان ﷺ يكثر في دعائه من قول: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة«.
وفي الحديث الآخر قال ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة«، قال: يقول الله: { تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: «فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم«.
فرؤية الله سبحانه هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، ورؤية الله سبحانه إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم.
"الجميل" يحب التجمل في غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا كبر: -
جاء في حديث سيدنا ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله جميل يحب الجمال«، وقد قاله ﷺ جوابا لمن قال له ”إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ” وبيّن أن مجرّد فعل ذلك ومحبته لا يدخل في الكبر المذموم.
و "…. الجنة دار المتواضعين الخاشعين لا دار المتكبرين الجبارين، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإنه قد ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان «فقيل: يا رسول الله! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس«.
فأخبر ﷺ أن الله يحب التجمل في اللباس الذي لا يحصل إلا بالغنى، وأن ذلك ليس من الكبر.
وفي الحديث الصحيح: «عنْ أبي هريرة –رضي الله عنه -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «ثَلاثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمْ اللَّه يوْمَ الْقِيَامةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلا ينْظُرُ إلَيْهِمْ، ولَهُمْ عذَابٌ أليمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِل مُسْتَكْبِرٌ«.
فعُلِم بهذا: أن من الفقراء من يكون مختالا، لا يدخل الجنة، وأن من الأغنياء من يكون متجملا غير متكبر، يحب الله جماله، مع قوله ﷺ في الحديث عَنْ أبي هُريْرة قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ«.
ومن هذا الباب قول هرقل لأبي سفيان: أفضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ قال: بل ضعفاؤهم ، قال: وهم أتباع الأنبياء، وقد قالوا لسيدنا نوح –عليه السلام-: ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ ﴾[ الشعراء 111] فهذا فيه أن أهل الرئاسة والشرف يكونون أبعد عن الانقياد إلى عبادة الله وطاعته، لأن حبهم للرئاسة يمنعهم ذلك، بخلاف المستضعفين.
وفي هذا المعنى ورد من دعاء النبي ﷺ في الحديث عن أَنس -رضي الله عنه –أَن رسول اللَّه ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ«.
فالمساكين ضد المتكبرين، وهم الخاشعون لله، المتواضعون لعظمته، الذين لا يريدون علوا في الأرض، سواء كانوا أغنياء أو فقراء.
"الجميل" سبحانه يحب الجمال كله: -
إذا عرف المكلف أن الله -جل وعلا -جميل يحب الجمال، وجب عليه أن يعتقد أن الجمال كله لله سبحانه وتعالى، وأن كل جمال منه وبه، ثم إن عليه أن يتجمل بالطاعات والأعمال الصالحة، ويجمّل باطنه كما يجمل ظاهره، وذلك بتصفيته من الأوضار، كالغل والحسد والشماتة وسوء الظن، إلى غير ذلك من الاعتقادات الفاسدة والبدع الضالة المضلة، فيكون قلبه موافق ظاهره فيجمل به أهله وولده ومن عاشره وخالطه.
ثم إن تفضل الله على عبد بجمال في خلقه وخُلقه ليتم عليه نعمته وفضله، فالواجب إذاً شكر ذلك للمنعم المتفضل، ولا يغتر بما وهبه الله من جمال أو يتكبر، وفي الحديث الشريف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ«، وعن الأحوص الجشمي قال: راني النبي ﷺ وعليّ أطمار فقال: «هل لك من مال«؟ قلت: نعم، قال «من أي المال«؟ قلت: من كل ما أتى الله من الإبل والشاء، قال: «فَلْتُرَ نِعْمَةُ اللَّهِ وَكَرَامَتُهُ عَلَيْكَ« ، فهو سبحانه يحب ظهور اثر نعمته على عبده، فانه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيجب أن يرى الله على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليه.
ولمحبته سبحانه للجمال، أنزل على عباده لباساً وزينة تجمّل ظاهرهم، وتقوى تجمّل بواطنهم، فقال:﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾[سورة الأعراف ٢٦]، وقال في أهل الجنة:﴿ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً*وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ﴾[الإنسان 11-12]، فجمّل وجوههم بالنضرة، وباطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير.
وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال ويحب الجمال وأهله. [المنهج الأسنى ص259].
والمؤمن يعرف الله سبحانه وتعالى بالجمال الذي لا يماثله في شيء، ويعبد الله بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيجمّل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، أو التطهير من النجاسة والأحداث، فيعرف الله بصفة الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه. قال الإمام ابن القيم: وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: 1) منه ما يحمد 2) منه ما يذم. 3) منه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.
فالمحمود منه: ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له، كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.
المذموم منه: ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيراً من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.
أما ما لا يحمد ولا يذم: هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين.
والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين:
(فأوله) معرفة
(أخره) سلوك.
فيعرف الله سبحانه وتعالى بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويعبده من الجمال الذي يحبه من الأقوال والأفعال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه، في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ، والشعور المكروهة، والختان، وتقليم الأظفار، فيعرفه بصفات الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة والسلوك. [الفوائد لابن القيم، ص ٣٥٧]
محبة الجميل سبحانه:
المحبة لها داعيان: [[داعي الجمال –داعي الإجلال]]، والله جميل يحب الجمال، بل الجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يُحب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يُرى من جمال في خلق الله هو من جماله سبحانه، فحقيق بمن هذا وصفه أن يُحب لذاته؛ فليس في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة كلها، حسنى كلها، طيبة كلها، خير كلها.
قال ابن القيم: (والله سبحانه تعرّف إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له؛ فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به، والله له الكمال المطلق من كل وجه؛ الذي لا نقص فيه بوجه ما). [روضة المحبين /ص:٤٢٠ –٤٢١]
ويقول أيضا: (وأما جمال الذات وما هو عليه، فأمر لا يدركه سواه، ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرّف بها إلى من أكرمه من عباده؛ فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار، محجوب بستر الرداء والإزار، كما قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن رب العزة: {الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري}.
قال ابن عباس: حجب الذات بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال، وستر بنعوت العظمة والجمال). [الفوائد، لابن القيم (ص: ١٨٢]
الجمال الحقيقي جمال المخبر لا المظهر: -
الله جميل يحب الجمال، والجمال الحقيقي هو جمال المخبر لا جمال المظهر، فالقلب هو محل نظر الرب، والسلامة منوطة به في قوله تعالى:﴿ يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾[الشعراء: ٨٨].
يقول الشيخ ابن عثيمين في شرح حديث «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[الحجرات: ١٣]، فالله لا ينظر إلى العباد إلى أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلى الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلى الأنساب؛ هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلى الأموال، ولا ينظر إلى شيء من هذا أبدا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوى، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم؛ إذا لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبدا، إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك، فاحمد الله عليه؛ لقوله: «ولكن ينظر إلى قلوبكم»، فالقلوب هي التي عليها المدار. [شرح رياض الصالحين ١/ ٦٣]
ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين جاءوا من بعد الصحابة، في قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[الحشر: ١٠]، وهي أفضل صفة ذكرت فيهم.
وعن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد»
"الجميل" هو واهب الجمال والحسن لمن يشاء:
من تأمل في مخلوقات الله، رأى فيها الجمال والحسن بالخلق والتصور، ومما ورد نصه في القرآن والسنة، ما يلي:
فقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن صورة وأجمل تقويم، وجعلهم متفاوتين في هذا الحسن والجمال.
وجمال الإنسان على ضربين: ((جمال مظهر -جمال مخبر))
جمال المظهر: -الخُلُق وهبه الله خلقه، وجعلهم متفاوتين فيه.
جمال المخبر: -الخَلْق خصّ به من عباده من شاء، فأعطى يوسف شطر الحسن، كما قال ﷺ: «ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ، إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحّب ودعا لي بخير … ».
ويقول تعالى عن حال النسوة لما رأينه:﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾[يوسف:٣١]، وأعطاه حسن الخلق والإحسان للخلق، قال تعالى:﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾[يوسف: ٢٤].
وأعطي محمد ﷺ من جمال المظهر والمخبر حظا وافرا ،،، فعن أنس بن مالك في وصف النبي ﷺ قال: (كان ﷺ رَبْعَة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم ليس بِجَعْدٍ قَطَطٍ وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ(.
وعن البراء بن عازب قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خَلقا ليس بالطويل البائن ولا بالقصير (.
وقد كان النبي ﷺ أحسن الناس أخلاقا: سماحة وشجاعة، حلما وكرما، رحمة وشفقة، صلة وبرا، كما وصفته أم المؤمنين السيدة خديجة بقولها: (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتَكْسِبُ المعدوم، وتُقْرِي الضيف، وتُعينُ على نوائب الحق (.
وعن أنس قال: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أف، ولا لم صنعت، ولا ألا صنعت). وقال أيضا –رضي الله عنه -: (كان النبي ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس ...(، وفي حديث عن عبد الله بن عمرو، قال: (لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقا».
في ذلك وردت آيات كثيرة، منها قوله سبحانه:﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾[الملك: ٥].
يقول السعدي في تفسيره لهذه الآية: أي ولقد جمّلنا﴿ السَّمَاءَ الدُّنْيَا ﴾التي ترونها وتليكم،﴿ بِمَصَابِيحَ ﴾وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفا مظلما، لا حسن فيه ولا جمال، ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، وجمالا، ونورا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر. [تفسير السعدي (ص: ٨٧٥]
في ذلك وردت أيضا آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾[النمل: ٦٠] وقوله سبحانه:﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ﴾[ الكهف: ٧]، فالله هو الذي زيّن الأرض، وجمّلها بأنواع الحدائق والبساتين والأشجار والأزهار والخضرة، ذات البهجة والحسن والجمال، بحيث إن الناظر إليها يبتهج وتفرح نفسه بها، وينشرح صدره بسببها.
وفي ذلك يقول تعالى:﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾[النحل: ٦]، أي: "في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم، وأموالكم، وتعجبون بذلك. [تفسير السعدي /ص: ٤٣٦]
ومن نظر في سائر الكون وما يحويه، رأى الإعجاز والجمال والإتقان في كل ما حوله، فتبارك الله وتعالى أحسن الخالقين.
ملازمة كل خلق جميل:
إن من أفاض الله عليه من صفة الجمال فتح له جمال المعاني، وحلاوة الإيمان، وحَسُنَ خَلْقُه وخُلُقَه، وزادت هيبته في بحر جماله، فلا يرضى العبد بقبيح الفعال وسوء الخصال؛ لئلا يخرج عن فيض الجمال، فيأنف العبد بطبعه وذكاء روحه كل قبيح، ولا يرضى أن يتدنس بحرام قط، أو بخلق ذميم.
وبيّن الله سبحانه في مواضع كثيرة أن جمال الظاهر لا يكفي، وأمر وأوصى نبيه ﷺ وأمته بالتجمل في الأقوال والأفعال في آيات عديدة:
فأمر تعالى بالصبر الجميل في قوله:﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴾[المعارج:٥]، أي: "اصبر على دعوتك لقومك صبرا جميلا، لا تضجر فيه ولا ملل، بل استمر على أمر الله، وادع عباده إلى توحيده، ولا يمنعك عنهم ما ترى من عدم انقيادهم، وعدم رغبتهم؛ فإن في الصبر على ذلك خيرا كثيرا. [تفسير السعدي /ص ٨٨٥]
أمر تعالى بالهجر الجميل في قوله سبحانه:﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً ﴾[المزمل: ١٠]، فأمره بالصبر على ما يقول فيه المعاندون له ويسبونه ويسبون ما جاء به، وأن يمضي على أمر الله، لا يصده عنه صاد، ولا يرده راد، وأن يهجرهم هجرا جميلا، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحة، الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. [تفسير السعدي /ص 892]
وقيل: الهجر هنا المراد منه: الهجر في ذات الله، كما قال تعالى:﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾[الأنعام:٦٨].
أمر تعالى بالصفح الجميل، في قوله تعالى:﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾[الحجر: ٨٥]، أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة. [تفسير السعدي /ص ٤٣٤]
أمر سبحانه بالسراح الجميل، في قوله سبحانه:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾[الأحزاب:٢٨]، وقال تعالى -في السورة نفسها -﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾[الأحزاب: ٤٩]، أي: أن يفارقوهن فراقا جميلا من غير مخاصمة، ولا مشاتمة، ولا مطالبة، ولا غير ذلك. [تفسير السعدي /ص: ٦٦٨]
ملازمة كل قول جميل
وبذلك تظهر جمال اللغة وجمال الأدب، وجمال هذا الدين العظيم، وأصل هذا الباب: قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: ٥٣]، فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلم بعضهم بعضا بغير التي هي أحسن، فرب حرب وقودها جثث وهام، أهاجها القبيح من الكلام، وفي الصحيحين من حديث سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله ﷺ: »لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لّقِسَت نفسي« فـ (خبثت( و (لقست)، متقاربة المعنى؛ فكره رسول الله ﷺ لفظ "الخبث" لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، -وإن كان بمعناه -تعليما للأدب في المنطق، وإرشادا إلى استعمال الحسن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال. [الطرق الحكمية، لابن القيم (ص: ٤٠ – ٤١]
التعبد لـ "الجميل" بإظهار نعمته على عبده: -
فيتجمل العبد في اللباس والهيئة من غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا تكبر، فـ "الجميل" يحب ظهور أثر نعمته على عبده؛ فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو مترتب على جمال باطن، فيحب "الجميل" أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها.
ولأنه "الجميل" وصفته انه يحب الجمال، فقد أنزل على عباده لباسا وزينة تجمّل ظواهرهم، وتقوى تجمّل بواطنهم، فقال سبحانه:﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾[الأعراف: ٢٦]
وقال في أهل الجنة:﴿ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾[الإنسان ١١-١٢]، فهو سبحانه جمّل وجوههم بالنضرة، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير.
قال أبو الدرداء: (كنا مع رسول الله ﷺ، فقال لنا: إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم ولباسكم؛ حتى تكونوا في الناس كأنكم شامة، فإن الله لا يحب الفحش، ولا التفحش).
قال ابن القيم: (والله يحب من عبده أن يجمّل بدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأوساخ، والختان، وتقليم الأظفار إلى غير ذلك، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: ((المعرفة –السلوك)) [الفوائد (١/ ١٨٦]،
وفي الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ »إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ«.
قال القرطبي: (فيجب على كل مكلف أن يتجمل بالطاعات والأعمال الصالحة، ويجمّل باطنه كما يجمل ظاهره، وذلك بتصفيته من الأوضار، كالغل والحسد والشماتة وسوء الظن إلى غير ذلك من الاعتقادات الفاسدة، والبدع الضالة المضلة، فيكون قلبه موافقا ظاهره؛ وكذلك لا يتعرض بجماله لمعصية ربه، وهذه الآفة ربما اعترضت نعمة الجمال، فعرضتها للزوال والنقص والاضمحلال قال تعالى:﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾[سبأ: ١٧] [الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (ص: ٢٣٠ –٢٣١]
والناس في التجمل الظاهر الذي هو الملبس والهيئة على ثلاثة أضرب، بعد اتفاقهم في الجمال الباطن فمنهم:
من هو حسّن ثوبه، وطيّب ريحه، ورَجِّل شعره، وادّهن، واكتحل، واقتصد في ذلك كله، واحتسب على الله ما وجد حلالا واتسع له، استقامت قلوبهم على ذلك، وهذه طريقة الشاكرين، وقد درج على ذلك الكثير من الصحابة والتابعين.
من لزم البذاذة والشعث، واحتمل التفث في الهيئة، إلا ما أقام به السنة، وإن وجد الحلال واتسع له؛ زهدا في التنعم، وإيثارا لشظف العيش، وهذه طريقة الخائفين والمحزونين، وقد درج على ذلك كثير من الصحابة والتابعين.
من يتقلب بين هذا وهذا، وجد الحلال والاتساع فيه؛ ليعمر إلى ربه الطريقتين، وتسلك في عبادته الجادتين، وهذه كانت سنة إمام المتقين وسيد المرسلين ﷺ، قد كان يلبس الحلة الحمراء -وكان أحسن شيء فيها -والثوب ذا العلم تارة، ويلبس الرداء النجراني الغليظ الحاشية، والجبة الشامية، ويأكل اللحم، ويجوع مرة، ويشبع أخرى، ويرهن درعه فيما يؤكل في بيته، ومات -بأبي هو وأمي -ﷺ في كساء ملبد، وإنما كانوا يراعون في ذلك كله قوام قلوبهم، فإذا استقامت قلوبهم لبسوا وأخذوا من ذلك ما استقام عليه أمرهم، مما لا يشهرهم باتضاع ولا بارتفاع.
وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بثمانية دراهم يلبسها للجمع والأعياد، وكان كثيرا ما يتطيب لقيام الليل ويدهن.
وعن نافع، أن ابن عمر كساه ثوبين وهو غلام، قال: فدخل المسجد فوجده يصلي متوشحا به في ثوب، فقال: (أليس لك ثوبان تلبسهم؟ فقلت: بلى، فقال: أرأيت لو أني أرسلتك إلى وراء الدار لكنت لابسهما؟ قال: نعم، قال: فالله أحق أن تتزين له أم الناس؟ قال نافع: فقلت: بل الله.
وقال عمر بن الخطاب: (إذا وسّع الله فأوسعوا).
فهؤلاء ونظراؤهم- في أعصارهم والأعصار التي بعدهم -هم الذين علموا أن الجمال والتجمل هو الاستقامة فيما بينهم وبين ربهم عز جلاله، فعملوا لذلك، وتركوا المذموم من زينة الدنيا وزخرفها، وتفاخرها وتكاثرها، سمعوا الله "الجميل" يقول:﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾[آل عمران: ١٤]، ثم قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾[آل عمران: ١٤]، ثم دلّ على حقيقة الزينة والحسن بقوله: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٥ – ١٧]
وقال ﷺ: »إن الله جميل يحب الجمال«، جوابا لمن قال له:(إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة) فبين ﷺ أن مجرد فعل ذلك ومحبته لا يدخل صاحبه في الكبر المذموم
الرضا عن "الجميل" وعن أفعاله وقضائه وقدره، فكلها تتسم بالجمال]
كلما زاد علم العبد بالله زاد رضاه عنه، وكلما قل علمه قل رضاه، فالعلم متعلق بالرضا؛ إذ الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، والرضا من لوازم القرب، والسخط من لوازم البعد، فالرضا بما يقدر الله ويقضيه من صلب الإيمان، ومما يرقي العبد في درج الجنان؛ لأنه سبحانه لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والخير لعبده المؤمن؛ لأن كل أفعاله جميلة، وما ينشأ من الفعل الجميل إلا جميل، وهذا يثمر في قلب المؤمن الطمأنينة إلى جميع أقدار الله، وحسن الظن بالله تعالى، وذلك بعد الأخذ بالأسباب الشرعية لمدافعة ما يمكن مدافعته.
فمن آمن بجميل تولي الله لعبده أنزل الله على قلبه الرحمة، والسكينة التي تسعده ولو فقد كل شيء.
دعاء الله باسمه "الجميل"
يشرع الدعاء للغير بالجمال، تأسيا بالنبي ﷺ، فعن عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال: استسقى رسول الله ﷺ، فأتيته بإناء فيه ماء وفيه شعرة، فرفعتها فناولته، فنظر إلي رسول الله ﷺ، فقال: »اللهم جمّله« قال الراوي: فرأيته وهو ابن ثلاث وتسعين، وما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء.
وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ مسح وجهه، ودعا له بالجمال.
نسأل الله جل وعلا أن يجمل قلوبنا وألسنتنا وأعمالنا، وفي بعض أدعية النبي ﷺ: عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ، أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، هُوَ أُبَيٌّ، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ الدُّعَاءِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: "اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ".
فاللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وجملنا بالتقوى، وأكرمنا بالعافية
هذه من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام.
نسألك اللهم يا جميل يا جليل يا من جماله وجلاله ملء الارض والسماء، أن توفقنا والمؤمنين إلى ما تحب وترضى من القول والفعل الجميل، وأن تجملنا بالتقوى وتزيننا بالحلم وان تكرمنا بالعافية، وان تصلنا ببرك وإحسانك الجميل، وأن ترزقنا والمؤمنين محبتك ومحبة شريعتك ومحبة عبادك الصالحين، واتباع هدي نبيك خاتم المرسلين إنك على كل شيء قدير.
فاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم جملنا بالصبر الجميل، وزينا بالخلق الحسن، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.